الجاحظ

322

الحيوان

347 - [ العين والحسد ] قالوا : ولولا فاصل ينفصل من عين المستحسن إلى بدن المستحسن ، حتّى يكون ذلك الداخل عليه هو الناقض لقواه لما جاز أن يلقى مكروها البتّة . وكيف يلقى المكروه من انساق في حيزه وموضعه ، والذي أصابته العين في حيّزه « 1 » أيضا وموضعه ، من غير تماسّ ولا تصادم ، ولا فاصل ولا عامل لاقى معمولا فيه . ولا يجوز أن يكون المعتل بعد صحّته يعتلّ من غير معنى بدنه . ولا تنتقض الأخلاط ولا تتزايل إلّا لأمر يعرض ، لأنه حينئذ يكون ليس بأولى بالانتقاض من جسم آخر . وإن جاز للصحيح أن يعتلّ من غير حادث ، جاز للمعتلّ أن يبرأ من غير حادث . وكذلك القول في الحركة والسكون . وإذا جاز ذلك كان الغائب قياسا على الحاضر الذي لم يدخل عليه شيء من مستحسن له . فإذا كان لا بدّ من معنى قد عمل فيه ، فليس لذلك المعنى وجه إلّا أن يكون انفصل إليه شيء عمل فيه . وإلّا فكيف يجوز أن يعتلّ من ذات نفسه ، وهو على سلامته وتمام قوّته ، ولم يتغيّر ولم يحدث عليه ما يغيّره . فهو وجسم غائب في السّلامة من الأعراض سواء . وهذا جواب المتكلّمين الذين يصدّقون بالعين ، ويثبتون الرّؤيا . 348 - [ صفة المتكلمين ] وليس يكون المتكلم جامعا لأقطار الكلام متمكّنا في الصناعة ، يصلح للرئاسة ، حتّى يكون الذي يحسن من كلام الدّين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة . والعالم عندنا هو الذي يجمعهما ، والصيب هو الذي يجمع بين تحقيق التوحيد وإعطاء الطبائع حقائقها من الأعمال . ومن زعم أنّ التوحيد لا يصلح إلا بإبطال حقائق الطبائع ، فقد حمل عجزه على الكلام في التوحيد . وكذلك إذا زعم أنّ الطبائع لا تصحّ إذا قرنتها بالتوحيد . ومن قال فقد حمل عجزه على الكلام في الطبائع . وإنّما ييأس منك الملحد إذا لم يدعك التوفّر على التوحيد إلى بخس حقوق الطبائع ؛ لأنّ في رفع أعمالها رفع أعيانها . وإذا كانت الأعيان هي الدالّة على اللّه فرفعت الدّليل ، فقد أبطلت المدلول عليه ، ولعمري إنّ في الجمع بينهما لبعض الشّدّة .

--> ( 1 ) حيزه : مكانه المحدود .